الخميس 13 مايو 2021 الموافق 01 شوال 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

د. شهاب دغيم يكتب: الاحتجاجات التونسية وأزمة هيكلة الدولة

الخميس 21/يناير/2021 - 12:27 م
الرئيس نيوز
طباعة

استفاقت تونس في الذكرى العاشرة للثورة على احتجاجات عارمة وعنيفة امتدت في جميع مدن البلاد.. احتجاجات انطلقت شرارتها الأولى هذه المرة من مدينة سوسة الساحلية، والتي تعتبر تاريخيا من الجهات المحظوظة.

ما أطلق عليه اليوم بثورة الجياع  في تونس، جاء نتيجة لتراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية حادة زادتها أزمة "كوفيد-19" قتامة،  ألقت بالبلاد في مواجهات عنيفة بين الأمن التونسي والشباب المعطل، الذي يعيش الفقر والخصاصة والحقرة  والتمييز  في  الأحياء الشعبية للمدن التونسية دون استثناء، مما دفع رئيس الجمهورية قيس سعيد  إلى نشر وحدات من الجيش التونسي في بعض المدن، بعد تصاعد وتيرة العنف والخوف من انفلات لا عودة بعده.

عاش التونسيون والتونسيات على وقع أحداث أعادت بشاعتها وصورها التي نشرت  على صفحات التواصل الاجتماعي،  ذكرى رحيل نظام "بن علي" الذي سقط بسبب البطالة والمحسوبية والفساد والتسلط.

ثورة الجياع  كما أطلق عليها المحتجون، جاءت ردا  على بطء الإصلاحات وانسداد آفاق الشباب التونسي و ازدياد الفقر والتهميش مقارنة بسنوات النظام السابق.. ثورة على إفلاس الطبقات السياسية برمتها وعلى سقوط الخطاب الخشبي لجميع الأحزاب وغرق البرلمان في فوضى الصراعات الأيديولوجية و عجز رئيس الجمهورية عن تقديم بديل و تعثر حكومة  هشام الميشيشي، التي أقال منها عدد من وزراء بسبب تهم فساد، وكذلك  المحسبوبين على الرئيس، والصراع  بين  الرئيس قيس سعيد، ورئيس البرلمان  رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

أن يثمن التونسيون مكاسب الحرية والديمقراطية،  فإنهم  يتطلعون اليوم وبعد عشر سنين عقيمة إلى عدالة اجتماعية ومنوال تنموي متوزان؛ يضمن الكرامة والتشغيل لأطياف من الشباب المعطل الذي مل الانتظار ومل التسويف.  

في عشر سنوات تغيرت  البلاد  نحو الأسوأ و تضاعفت وتيرة التفقير وانهيار الطبقات الوسطى وضاعت أحلام التونسيين في حياة أجمل.. الشباب المحتج رفع نفس الشعارات التي أطلقها  المحتجون ضد بن علي منذ عشر سنين،  أي الكرامة والتشغيل وأعاد المحتجون التلويح بها ضد نظام الثورة الفاشل والفاسد، حسب تعبير البعض منهم.

احتجاجات لم تفاجىء الطبقة السياسية التونسية برمتها وجاءت نتيجة موضوعية وحتمية لفشل منظومات ما بعد الثورة وعجز الحكومات المتتالية وعدم الاستقرار السياسي وتفكك أواصر الدولة وانتكاس البلاد اقتصاديا وتراجع صادرات البلاد وارتفاع نسب مديونية الدولة إلى حدود 90% من الناتج الداخلي، وتضاعف البطالة التي تصل إلى معدلات كبيرة في المناطق الداخلية وارتفاع المعيشة ونقص الدواء وتلكأ السلطات وعجزها في مقاومة جائحة كورونا وتسويفها في توفير اللقاح للتونسيين.

 

 أزمة هيكلية الدولة التونسية

1- انهيار اقتصادي غير مسبوق

تونس التي انهارت فيها كل المؤشرات الاقتصادية والتنموية، أصبحت  تمثل مناخا استثماريا سلبيا وغير مشجع وخطير مما أدى إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية وانتكاسة الاقتصاد التونسي كليا، الذي  يحتل اليوم آخر المراتب عربيا (9) وعالميًا (87)، حسب مؤشر التنافسية العالمية لسنة 2019.

انهيار السياحة وتصدير الفوسفات أهم موارد البلاد الحيوية عقد حلول الخروج من النفق المظلم، فتراجع قطاع السياحة الذي يُشغل  أكثر 450 ألف عامل  بصفة مباشرة ويوفر آلاف من فرص العمل بصفة غير مباشرة، والذي يساهم بحوالي 7 % من الناتج المحلي الإجمالي التونسي، خاصة  بعد جائحة كورونا  لتشهد تونس أسوأ موسم سياحي  في تاريخها منذ الستينات.

وانحسر انتاج الفوسفات الذي يعتبر خزان  ومورد الدولة التونسية منذ الاستقلال واضطرت  البلاد إلى استيرا "الأمونيتر" من أوكرانيا والفوسفات من الجزائر بعد أن كانت تونس من أول المصدرين للفوسفات سنة 2010؛ أدت كل هذه الانتكاسة إلى انهيار  سعر صرف الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية بنسبة تجاوزت 107% أمام الدولار مقارنة بسنة 2010، كما ارتفعت نسبة الدين الخارجي خلال  سنوات الثورة  بشكل لافت مما أدى إلى تدخل صندوق النقد الدولي وعزوف المانحين وتدحرج تصنيف البلاد ماليا لتبلغ  نسبة التداين حدود 90 بالمائة من الناتج الداخلي،  والركود الاقتصادي أثر على نسب النمو التي كانت  سلبية (-7.3 %)  في سنة 2020 بعد أن كانت  في حدود 3.51 في المائة سنة 2010.

 

2- استفحال الفساد والمحسبوبية

أكدت جل المنظمات الدولية وغير الحكومية أن الفساد أصبح أكثر انتشارا ممّا كان عليه سنوات حكم بن علي فحسب آخر الاحصائيات؛ تفشت المحسوبية واستفحل الفساد وتحتل تونس  المرتبة السادسة عربيًا و74 عالميًّا في مؤشر الفساد العالمي لعام 2019.

حكومة الفخفاخ سقطت برمتها بسبب تضارب المصالح والفساد، وأقيل وزراء من حكومة المشيشي بسبب اهم فساد  في ملف النفايات المستوردة من إيطاليا.

كما  أضاعت  حكومة «الترويكا الإخوانية» والحكومات المتتالية كل آمال استرجاع الأموال المنهوبة، لأنها تعاملت بخفة مع الموضوع وعجزت عن تقديم ملفات قانونية مسنودة، وأفلست أغلب الشركات المصادرة  سنة 2010 وسط ضبابية كبيرة وشبهات إهدار للمال العام.

كان يمكن بعد سنوات من التلكؤ والتردد والعجز  إعادة أقصى ما يمكن من الأموال المنهوبة لخزينة الدولة؛ للاستفادة به في مشاريع تنموية أو ضخها في الجهات الداخلية.. التفكير في حلول قانونية صارمة لمقاومة منظومة الفساد التي استشرت في الحياة السياسية و القطع مع الزبونية وفكر الاقطاع والغنيمة؟

 

أزمة سياسية وعدم استقرار حكومي

 لم تعرف تونس استقرارا سياسيا منذ سنة 2011، حيث تداول على تونس 7 رؤساء حكومات و أكثر 10  حكومات و هو ما  أثر بشكل مباشر على القطاعات  الاقتصادية و الاجتماعية. عرفت تونس في سنوات الثورة عددا مرتفعة وقياسيا من الوزراء لم تعرفه منذ استقلالها وبعد انتخابات 2019  تداولت حوالي 3 حكومات على إدارة شؤون البلاد دون اعتبار حكومة يوسف التي واصلت تصريف الأعمال إلى بداية العام 2020 وفشل الحبيب الجملي في مشاوراته لتشكيل الحكومة و فشله في نيل تزكية البرلمان، ثم سقطت  حكومة الفخفاخ التي أجبر رئيسها على الاستقالة بسبب الفساد وتضارب المصالح ليخلفه هشام المشيشي الذي اضطر في خضم صراع سياسي محموم الى ابعاد عن وزراء قيس سعيد  حكومة  واعفاء وزير بسبب الفساد ويستعد اليوم  لعرض حكومته الثانية على مجلس النواب التونسي وسط رفض كبير لبعض الكتل لمنحه الثقة.

عدم استقرار سياسي وصراع سياسي خطير أمام تمسك الرئيس قيس سعيد بتغيير النظام السياسي من برلماني معدل نحو نظام رئاسي، بسبب تعطل أشغال البرلمان في كثير من الجلسات وصل حد الملاسنة والشجار أحيانا، ويعتبر التونسيون أن البرلمان الحالي، برئاسة راشد الغنوشي هو أحد أسباب الازمة  لانه في حالة شلل وشبه معطل عن النشاط"، مؤكدين  على استحالة تواصل الوضع على ما هو عليه إلى حدود سنة 2024،  ودعوات من حزام الرئيس السياسي باعادة الانتخابات التشريعية و اجراء استفتاء شعبي لتغيير  النظام الانتخابي.

 

فشل منظومة الثورة

فشلت الثورة في تحقيق الأمن والرخاء للتونسيين و تراجعت البلاد الى مراتب متردية وانهارت المنظومة الصحية والتعليمية، وتراجعت كل القطاعات.

 عموما، كلها أسباب عميقة أدت إلى احتقان اجتماعي واقتصادي كان السبب الحقيقي وراء اندلاع الاحتجاجات التي ربما لن تهدا لان التونسيين فقدوا الثقة في كل الطبقات السياسية ويربدون القطع مع المنظومة الحالية العاجزة أولا والمتناحرة سياسيا ثانيا، ويحملون جميع الاطراف حكومة وبرلمانا ورئاسة الوضع المأساوي الذي وصلت إليه البلاد. 

احتجاجات تحاول بعض الأطراف السياسية الركوب عليها كما حدث بعد الاحتجاجات التي اطاحت بين علي والتي كانت شعبية وعفوية قبل أن تتقلفها الأحزاب الانتهازية وتقضي على حلم الثورة..  فهل أصبحت الثورة هي المضادة للثورة الشعبية أمام تصاعد وتيرة العنف ورغبة التونسيين في اقتلاع منظومة 2011 برمتها وتأسيس لمنوال اجتماعي أكثر عدلا وشفافية أمام استفحال فساد بعض الوزراء وكبار مسؤولي الدولة؟.

ads
ads
ads
Advertisements
Advertisements
ads
ads